ابن كثير
20
البداية والنهاية
شرابه ، فلما مثل بين يديه أجله وأعظمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس الذي في يده فقال : يا أمير المؤمنين لم يدخل باطني ولم يخالط لحمي ودمي قط ، فاعفني منه . فأعفاه ثم قال له : أنشدني شعرا فأنشده : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم * فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا نادى بهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل ؟ أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طال ما أكلوا دهرا وما لبسوا ( 1 ) * فأصبحوا بعد طول الاكل قد أكلوا قال : فبكى المتوكل حتى بل الثرى ، وبكى من حوله بحضرته ، وأمر برفع الشراب وأمر له بأربعة آلاف دينار ، وتحلل منه ورده إلى منزله مكرما رحمه الله . ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين فيها كانت وقعة بين مفلح وبين الحسن بن زيد الطالبي فهزمه مفلح ودخل آمل طبرستان وحرق منازل الحسن بن زيد ثم سار وراءه إلى الديلم . وفيها كانت محاربة شديدة بين يعقوب بن الليث وبين علي بن الحسين بن قريش بن شبل ، فبعث علي بن الحسين رجلا من جهته يقال له طوق بن المغلس ، فصابره أكثر من شهر ثم ظفر يعقوب بطوق فأسره فأسر وجوه أصحابه ، ثم سار إلى علي بن الحسين هذا فأسره وأخذ بلاده - وهي كرمان - فأضافها إلى ما بيده من مملكة خراسان سجستان ( 2 ) : ثم بعث يعقوب بن الليث بهدية سنية إلى المعتز : دواب وبازات وثياب فاخرة . وفيها ولى الخليفة سليمان بن عبد الله بن طاهر نيابة بغداد والسواد في ربيع الأول ( 3 ) منها . وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل كاتب المعتز والحسن بن مخلد كاتب قبيحة أم المعتز وأبا نوح عيسى بن إبراهيم ، وكانوا قد تمالؤا على أكل بيت المال ، وكانوا دواوين وغيرهم ، فضربهم وأخذ خطوطهم بأموال جزيلة يحملونها ، وذلك بغير رضى من المعتز في الباطن واحتيط على أموالهم حواصلهم وضياعهم وسموا الكتاب الخونة وولى الخليفة عن قهر غيرهم . .
--> ( 1 ) في مروج الذهب 4 / 108 وفي وفيات الأعيان 3 / 272 : شربوا . وبعده في مروج الذهب ثلاثة أبيات . ( 2 ) في الفخري ص 243 : استولى يعقوب بن الليث على فارس وجمع جموعا كثيرة ، وقد خرج على المعتز ، فلم يقدر المعتز على مقاومته . وفي ابن الأثير 7 / 191 : أنه كان يظهر طاعة لا حقيقة لها فالتمس المعتز اقتتاله مع علي بن الحسين بن شبل ليسقط مؤونة الهالك عنه منهما وينفرد بالآخر . ( 3 ) في الطبري 11 / 160 ربيع الآخر